السبت، يونيو 11، 2011

السياسة والمشروع الإسلامي 6




الاتجاه اليساري يتميز بتركيزه على قيمة اخرى غير قيمة الحرية وهي قيمة  "العدالة الاجتماعية" وهذه القيمة تتوغل وترسم معالم كل القيم الأخرى في المجتمع وتصبغها بصبغة العدالة الظاهرية ولبحث الجذور التاريخية للاتجاه اليساري يجب ان نفرق بين المصطلحات كالشيوعية والاشتراكية ، فاليسارية نشأت مع الثورة الفرنسية حيث جاء المسمى من تأيد النواب الذين كانوا يجلسون على اليسار  ما دعت اليه الثورة الفرنسية من نبذ اسباب الشقاء التي لحقت بالشعب والمتمثلة في رجال الدين وطبقة النبلاء والتحول إلى العلمانية كمذهب ديني والجمهورية كنظام سياسي والمصطلح قد يختلف في دلالاته على حسب الدول ففي الغرب يشير المصطلح اليساري إلى الاشتراكية حيث تعتبر الاشتراكية هي محاولة لتطبيق شكل من اشكال الديمقراطية و تطالب الاشتراكية بمقاومة النظام المركزي الشمولي في الشيوعية عن طريق تطبيق الديمقراطية في مجالات الحياة مع التأكيد على الفكرة الاساسية وهي المساواة والعدالة الاجتماعية وكما هو الحال فإن كل التيارات يكون لها ذراع معنوي للتأكيد على الناحية الفلسفية للمشروع وقد وجد هذا الاتجاه في نظريات داروين في النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي بعداَ يسمح له بمقاومة القمع الديني وتقليص هيمنة رجال الدين بتبني نظريات اخرى معارضة تسمح له بتكأة علمية مبررة للاتجاه المعنوي الجديد ، واليسارية تختلف عن الشيوعية في عدم مساندة الشيوعية القمعية بل ان بعض الشيوعين يعتبر القمع من بنات افكار ستالين وينظر "للستالينية" كتيار داخل الشيوعية
ومن الامثلة اليسارية الحديثة حزب العمال البريطاني الذي كان يرأسه توني بلير والحزب الديمقراطي الامريكي (المناوىء للجمهورين)ومن المعروف ان السياسات اليسارية هي سياسات معارضة تماماً لاستخدام القوة العسكرية كحلول ودائماً ما تصوت ضد استخدام الحلول العسكرية "اللهم إلا ضد استخدامه ضد المسلمين فهذه المسألة عليها إجماع من جميع التيارات" وهو ما يسمى عند اليسار بالوسائل العادلة لتحقيق الغايات وهنا يبرز الخلاف الجوهري حيث يؤمن اليمين بالنتائج العادلة "ويمكنه في سبيل ذلك استخدام الحرب  أو أي آلية تمكنه من تحقيق النتيجة العادلة (من وجهة نظرة طبعاً ) وكذلك رفض مبدأ السوق الحر لأنه ينتج حدوث طبقية بالاضافة إلى المركزية التي يدعمها اليسار واللامركزية التي يدعمها اليمين
وتعتبر اليسارية هي محاولة لتهذيب الشيوعية التي تقتضي محاربة الراسمالية واستغلال الطبقات الكادحة وتأميم المؤسسات الكبرى للوصول للاشتراكية وبعدها الوصول للشيوعية وهو مالم يحدث في العالم حيث تتحول الاشتراكية إلى معتقد ومذهب فكري واقتصاد يصل بالمجتمع لحصول كل فرد على ما يكفيه من كل شيء بعد تراكم الثروات الناتجة عن العمل بعيداً عن امتلاك الافراد لها
وطبعاً بعد فشل الشيوعية على جميع الأصعدة في كل بلدان العالم التي طبقتها وكانت النتائج مذهلة حيث فشلت الشيوعية في تحقيق مكاسب للطبقات العاملة أكثر مما كانت تحققه لها الأنظمة الأخرى توجت الانظمة إلى محاولة "اعادة بناء" والمسماة البيريسترويكا في محاولة لتصحيح مفاسد أخطاء الشيوعية ومحاولة نقلها للوسط وكان الاستقرار على الاشتراكية كما حدث في روسيا على يد جورباتشوف وفي الصين في مرحلة ما بعد ماوتسي تونج
وبالعودة إلى الجذور التاريخية القريبة للمنطقة العربية نجد أنه بعد توقيع فرنسا وبريطانيا اتفاقية سايكس بيكو التي تقتضي بتقسيم الدولة الاسلامية "العثمانية " من دولة واحدة إلى دويلات صغيرة حتى يسهل احتلالها ونهب خيراتها كان ولابد من فرض تأصيل فكري لتلك العملية وكالعادة تضع الامم الفائزة ثقافتها ومرجعياتها وتتحول الأمم المهزومة إلى مستورد لثقافات الأمم الأخرى ومن هنا كان ولابد للغرب أن يؤصل في وجدان الناس أن الهزيمة كانت ناشئة من التمسك بالمرجعيات القديمة (الدينية) والدليل أنه عندما تركها هو تقدم وساد العالم ، ولكن المشكلة كانت أن الغرب ليسوا كالشعوب الوثنية أو الشعوب الضالة الأخرى ذات المرجعيات الاسطورية أو الثقافات الأقل التي انصاعت بكل سهولة للمشروع الغربي فكان لابد من أحد الحلول الآتية 
إما أن يتحول العرب بالكلية إلى الأنظمة الغربية ويتركوا كل معتقداتهم القديمة 
وإما أن يتوصلوا إلى صيغة وسطية تعتنق الفكر الغربي ولكن "بمظهر" عربي 

وقد كان كلا الحلين مناسب في نظر الغرب فبدأ في تنفيذ خطة متوازية بدأت بممارسة مبدأ النتائج العادلة السابق فشرع في احتلال البلاد ونهب خيراتها لتطوير المشروع الغربي وبدأ بإلقاء بعض مزايا المشروع على المستوى العلمي والثقافي للبلاد المحتلة المبهورة بالحضارة الغربية المزدهرة والراغبة في اللحاق بركب التطور  وبعد فترة من من هذه العمليات الاستعمارية وعندما تيقن المستعمر ان الخسائر من المشروع الاستعماري العسكري ستكون أكبر من المكاسب تحول غلى نوع آخر من الاستعمار وهو الاستعمار السياسي والاقتصادي وهو دعم تيارات موالية وتسليمها السلطة والحرص على بقائها في يدها من خلال المشروع الاستعماري العالمي الذي لايزال مستمراً حتى اليوم بأشكال مختلفة 
والأمر ليس كما يبدو عليه اليوم فالشعوب العربية لم تحصل على استقلالها حتى اليوم ولكنها تعيش خدعة كبرى 

لذلك فدعم الغرب مثلاً حركة القومية العربية كبديل للمشروع القديم الذي وحد العرب وصنع امجادهم وأصبح "جمال عبدالناصر" والناصرية من بعده هي علامة من علامات القومية العربية ذات المرجعية الاشتراكية المنحازة للطبقات الكادحة التي حققت شعبية وجماهيرية كاسحة في الوطن العربي كله وليس في مصر فقط ولازالت تلقى رواجاً حتى الآن

ومن هنا نرى جلياً أن المشروع الغربي كله يتركز حول فكرة أصيلة هي التحرر من قبضة الراديكالية الدينية ويرى فيها مشروع تنموي شامل يحقق التقدم والاستقرار ، وهو يصدر لنا هذا المفهوم بشتى الطرق والاتجاهات
ونحن لاننكر أن الغرب محق تماماً في ذلك فيما يتعلق بما تبعه من أديان خلال الفترات التاريخية القديمة والتي كان مقدراً له ان يتبع حزمة من الديانات الاسطورية في اليونان والديانات الوثنية كذلك اتباع الديانة المسيحية التي لم تحقق له معادلة ناضجة ومشرفة كالتي قدمها الاسلام للعرب ، فالذي حدث مع العرب  عند اتباعهم الاسلام هو عكس ما حدث مع الغرب عند اتباعهم المسيحية
فلقد ساد العرب وبنوا حضارتهم بالتمسك بالقيم الاسلامية 
على عكس من ذلك فلقد بنى الغرب حضارته بالتخلى عن ديانته
وهنا مربط الفرس فالمشروع الغربي يتضح جلياً في التخلي عن القيم الدينية القديمة على حد تعبيره والشروع في بناء حضارة ذات أصول انسانية بحتة بعيداً عن تعليمات السماء

اما المشروع الإسلامي وكيفية عمله فهذا ما سنتعرف عليه في البوست القادم "حته سسبنس "هههاي
                      

هناك 15 تعليقًا:

واحد من الناس يقول...

السلام عليكم

طبعا انا باصم على الفكرة الكلية واغلب التفاصيل وخصوصا ان احنا تحت الاحتلال بوجوه وطنية تنفذ سياسة المحتل الاصلي دون تكلفة مادية عليه وبايدي يصعب التمرد عليها نظرا لما تقرر في العقل الجمعي من الميل للاستقرار واحترام يصل لحد التقديس لمن يحل في منصب الرئيس او الامير ( وما الانفجار الاخير الا نتيجة تعدي اصحاب الفخامة المخلوعين حدود التحمل البشري والا فاذا وفروا الحد الادني من الكرامة الانسانية وعدالة توزيع الدخول لما حدث ما حدث ولظلوا مستعمرينا )

ولكن لي تحفظ على كون عبدالناصر اله استعمارية غربية (قرأت هذا الكلام من قبل ولكني لم أقتنع به ) نعم أنا أؤمن ان عبدالناصر هو السبب في عودة مصر الى عصر ما قبل الدولة , كما انه ايضا السبب الرئيس في هدم مشروع بناء الانسان المصري السوي وتحويله الى وسيلة انتاج مرعوبة لحساب قيم مادية ادت في النهاية الى كارثة مدوية في 67 وكارثة اكثر دويا في وقف النمو الثقافي والاجتماعي المصري لكني قط لا استطيع ان اقول ان عبدالناصر كان ينفذ ما يملى عليه مثل السادات في مرحلة ما بعد كامب ديفيد , والجاسوس الاسرائيلي الذي حكم مصر 30 عاما . با هو ينفذ ما امن به من جهالات الاشتراكية التي تريد تعدي حدود الطبيعة البشرية في التميز والاختلاف والتدرج الى المساواة المطلقة , وساعده في البقاء القاء بعض الشعارات الجوفاء والتأميم الاعمى وكاريزمية تخدع من يريد ان ينخدع والاهتمام بطبقة الفلاحين والعمال(البروليتاريا ) الذين اصبحوا التيار الاساسي في دعمه مما حفظ مشروعه الخاوي الى حين سقط بالضربة القاضية التي اخرجتنا من كامل التاريخ حتى حينه من حيز الفاعل الى حيز المفعول به , من حيز الند الى حيز التابع الذي قبل ببنود اتفاقية سلام لا يعلم اكثر من 98% م الشعب شيئا عن تفاصيلها .

تحياتي واسف على الاطالة

ماجد القاضي يقول...

السلام عليكم

بوست دسم.. ورايي محتاج تبسيط وتقسيم للمعلومات الغزيرة المنهالة على راس القارئ..
وحبذا لو تضع في الهوامش تعريفات سريعة للقارئ لمصطلحات مثل (اليسار) (اليمين) (الراديكالية).. الخ

...................

أنا مع رأي د.إسلام في تعقيبه.
....................
تحياتي أخي الكريم..

فتافيت يقول...

فلقد ساد العرب وبنوا حضارتهم بالتمسك بالقيم الاسلامية.. على عكس من ذلك فلقد بنى الغرب حضارته بالتخلى عن ديانته
وهنا مربط الفرس فالمشروع الغربي يتضح جلياً في التخلي عن القيم الدينية القديمة..!!!

إيه الحلاوة دي..!!!
الفقرة دي جامدة دبابة يا فندم :)

تعرف رغم إني بحب أقرا في الماركسية.. سياسيا طبعا مش معتقد ديني.. وبحب جيفارا كمان جدا.. إلا إن البوست كان دسم عليا.. فما بالك بقى بحد مايعرفش حاجة خالص عن الشيوعية!!

بتفق مع أخي ماجد
في أنك تعمل هوامش ده رفيعة :).. تفهم فيها القارئ اللي مش عارف يعني إيه مثلا راديكالية.. خاصة انها بقت أشهر من الملوخية اليومين دول.. ألا يفتكروها كلمة قبيحة ولا حاجة :))

6.. والنهاردة المفروض 14؟؟
هو الـ 6 دي بتوقيت إيه :))؟؟
عشان نراعي فرق التوقيت :P

فتافيت يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
فتافيت يقول...

آه.. على فكرة من مساوئ الاشتراكية في نظري.. انها مابتخلقش حد كرياتف خالص
لأن كل فرد ماشي في منظومة بتديه بالتساوي زيه زي اي واحد تاني.. فتقتل روح الابتكار في نفس الانسان.. لانه حتى لو تميز مش هايحصول على المقابل او المكانة المرجوة... بس كده :)

وعلى فكرة تانية غير اللي فوق
البرادعي كان عاجبني.. وغيرت رأي فيه مش عشان ليبرالي.. نووو عشان ليبرالي اشتراكي كمان.. فحسيت انه مضر جدا بالصحة :)

د/عرفه يقول...

سلسلة روعة أوى


بجد تسلم إيدك واحنا متابعيين معاك

شمس النهار يقول...

البوست ماشاء الله دسم
بس لو نقدر نشرح اكتر ونبسط اكتر

اما موضوع عبد الناصر مااعتقدش انه كان بيخدم اي شئ غير افكاره اللي طلع منها كتير غلط

والسادات ماكنش بيعمل اللي بيملي عليه ردا علي واحد من الناس
السادات كان عنده هوس عودة مصر كاملة تحت اي ظرف وباي تمن

اما المخلوع ده لاكان عنده فكر ولا عنده عقل اصلا
ده كان عايز فخامتك وسيادتك وخلصت
ويكوش في فلوس والدنيا تبقا بيييييييس يامان
:))
وشكرا علي متابعتك لمدونتي اثناء المصاب الاليم اللي حصل لللاب توب
وان شاء الله هرد علي التعليقات عندي في البوستات القديمة
وكمان هعلق في بوستات الاصدقاء اللي فاتتني
وخصوصا هنا طبعا علشان التسلسل
وشكرا

شمس النهار يقول...

بقالك يومين غايب ومانشرتش اي بوست من السلسلة لعل المانع خير ان شاء الله

تامر علي يقول...

واحد من الناس

كون عبدالناصر اله استعمارية غربية من عدمه فهذا يتوقف على النتائج التي ادى وجوده الى حدوثها وتداعياتها على مصر ومدى رضا العدو المستعمر عنها
المستعمر سعى الى خلق بيئة الفساد وتلك البيئة تفرز دائماً (الأسوء ) وهذا تماماً ما يريده المستعمر لذلك فهو يدعمه ما دام وليد نفس البيئة أما انه جاسوس يأخذ تعليماته ومستحقاته من المستعمر فهذا الشكل الفج غير مقصود ومستبعد حتى في حالة مبارك لأنه (مشمستني فلوس منهم ) عنده البلد كلها ينهب فيها براحته أو يرضي جنون العظمه عنده أو يطور وينمي في اتجاه مادي بعد تجويف البلد من القيم
وقد اختار عبدالناصر ان يكون طاغية نظيف اليد له مشروع قومي خدع به الشعب خدعة كبرى أفاق بعضه على النكسة وأفاق بعضه بعد موت الرأس وانكشاف ما تحت السطح

تحياتي على الطرح المثمر

تامر علي يقول...

ماجد القاضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

والله يا فندم الموضوع واسع فعلاً ولايمكن هضمه بمجرد مجموعة تدوينات ولكني احاول استفزاز قريحة القارىء حتى يبحث فيما وراء الفكرة بالقراءات
وسيراعى ذلك مستقبلاً ان شاء الله

شكراً وتمنياتي باسعد الاوقات

تامر علي يقول...

فتافيت

سيتم عمل هوامش ان شاء الله في المرات القادمة ماشي :)
بالنسبة لرقم 6 فالعبره بالكم مش بالكيف :)

وبالنسبة للشيوعية فمش ده بس الانتقاد الوحيد دي فكرة فشلت تطبيقياً كمان يعني طلعت مقلب
وبالنسبة للبرادعي فهو غير واضح المعالم حتى الآن
والى ان يتضح له معالم عليه ان ينتظر لعده سنوات اختبارية :)

تامر علي يقول...

د/عرفه

شكرا لذوقك ومتابعتك يا دكتور

ونتمنى دوام التواصل :)

تامر علي يقول...

شمس النهار

عبدالناصر مكانش له افكار اساساً وده اختلافي في النقطة دي
ده كان مجرد مقدم في الجيش لا اكثر ولا اقل ... ما الذي يملكه اي مقدم في الجيش من افكار تصلح لادارة بلد كمصر ؟؟

عبدالناصر بديل يحمل المشروع القومي بكاريزما جديدة على المصرين بانحياز طبقي للطبقة الكادحة التي كانت هي قوام شعبيته كلها

بالنسبة للتأخيرات مفيش حاجه يا فندم بس شوية مشاغل وتأخيرات في العمل عادي من اللي بتحصل على طول :))
جزاك الله خيرا على السؤال
تحياتي

ماجد القاضي يقول...

السلام عليكم

جزاك الله خيرا على المجهود الطيب والضخم حقيقة..
وأنا في الخدمة لعرض أية مصطلحات شبيهة بما تم الإشارة إليه.. فلدي كتاب كامل في السوق (من طبعتين) عن المصطلحات الشائعة من ذلك القبيل.. وأدرج منها ما يناسب الأحوال كل فترة في المدونة.. مثل أنواع الحكومات المختلفة وبعض التيارات الفكرية...
يمكنك الرجوع للمدونة واستيراد أيا منها وعرضها بالزيادة أو النقصان أو التنقيح كما تشاء.

تحياتي وموفق إن شاء الله.

تامر علي يقول...

ماجد القاضي

شكرا جزيلا يا استاذ ماجد على هذا الكرم البالغ ويسعدنا دائماً ان ننتعاون معكم في اي عمل هادف

تحياتي وتقديري