السبت، يناير 30، 2010

على كل أرض تركنا علامة ....ومرت الأيام



بعدما مر أول أيام العسكرية كئيباً مريباً عصيباً صحوت من النوم على صوت تخبيط جسم معدني على أحد الأعمدة وصيحات الوجوه العكرة من صف الضباط وكان علينا أن نتوائم لبقية الأيام مع الآتي ..وقد كان ..لايوجد نور في المعسكر وعليه فيجب التعايش مع الكائنات الأخرى الأليفة مثل الفئران الصحراوية والكلاب الجبلية .. وللحق فقد كانت الأخيرة أكثر حياءً وأقل صفاقة من الفئران التي كانت لاتتورع عن اقتحام أي شيء في سبيل الحصول على الطعام والمرح في الظلام , لذلك فقد كان علينا لف أجسادنا جيداً بحيث لايبقى منفذ لفأر ليقتحم خصوصيتك ويفسد عليك سعادة النوم الذي يقطع الوقت , هذا بالإضافة أنه لايوجد ماء اللهم إلا صنبور صغير على بعد كيلو من مكاننا وكنا نذهب لنملاء كوب من الماء كل صباح للوضوء وربما الشرب أيضاً تحت شعار "الجيش بيقوللك اتصرف " , هذا بالإضافة إلى أنه لايوجد حمامات وعلى من يرغب في قضاء الحاجة أن يذهب للخلاء ويقضي حاجته في العراء
- على جثتي
هكذا هتفت عندما قالها لي أحد الجنود عندما سألته عن مكان الحمامات وقال لي أن أذهب للأرض الفضاء وظللت لفترة 7 أيام دون دخول الحمام حتى حانت اللحظة الحاسمة ولم يعد هناك إمكانية للهرب من الواقع الأليم فكل إنسان يجب في النهاية أن يقضي حاجته شاء أم أبي , تلك هي طبيعة البشر
وانطلقت أبحث عن مكان مناسب ولا أكتمكم سراً إن قلت أنني لم أكن لأذهب للأرض الفضاء لأي سبب إلا لأنني لم أفعلها من قبل وكانت الفكرة غير مقبولة إنسانياً من طرفي فلطالما لعنت من يفعلون ذلك في طريق الناس فكيف أفعلها أنا ولو في الصحراء حيث يمكن لأحد الكلاب أو أبناء آوى أن ينبش الأرض ,لذا لم يكن لي خبرة بهذا الأمر وياليتني كنت أعرف ووفرت على نفسي المعاناة , ذهبت أبحث عن أي مكان كالملهوف وبعد بحث ما يقرب من ساعة قال لي أحد الجنود أنه يوجد مسجد في آخر المكان فهرولت حيث أشار وفعلاً وجدت المسجد وتهلل وجهي عندما رأيت دورة مياه ملحقة به ولكن ما إن دخلت حتى هالني ما رأيت ... فقد كانت أرضية المكان ملوثة جداً لدرجة عدم وجود موضع لقدم بالداخل والمكان يبدو أنه مهجور لسوء الإستخدام ولم أفكر طويلاً لأنه لايوجد حل آخر سألت هل يوجد ماء هنا فأشار لي أحدهم أن نعم هناك فقررت تنظيف هذا المكان ليصلح للإستخدام الآدمي .... وأخضرت الماء ووجدت شفاط بيد طويلة كقامة إنسان معتدل الطول وبدأت في التنظيف لمدة ساعة ولا استطيع وصف ما حدث لأنني لا أريد التذكر ولكن بعد ساعة كان المكان نظيف وكانت أول مرة استخدم فيها الحمام ذو المسمى ""بالبلدي" وبعدها أحسست بكم الغباء الإنساني الذي كنت فيه والذي جعلني أعاني الأمرين من أجل أفكار حمقاء في رأسي فأي مكان يصلح لذلك ولايوجد ما يشين المرء في ذلك والرمال تستطيع دفن البشر فما بالنا بجزء صغير من البشر
الجزء المهم أن عدم وجود الماء يعني عدم الاستحمام أيضاً وهو ما يجعل المرء يراجع حساباته بعد فترة ويحاول أن يجد مخرجاً من ذلك ... سألت المجندين عن حل المشكلة فأجابوا بأن المشكلة حلها بسيط فبالقرب من الجزء الخلفي يوجد "فناطيس" بها حل المشكلة وعندما ذهبت للمعاينة هالني ما رأيت فقد كان الشباب يقسمون أنفسهم قسمين , قسم فوق الفناطيس ممسكين بأوعية الماء ويقومون بصبها من ارتفاع كبير على الفريق الآخر الذين قد تراصوا تحت الفناطيس وهم "يتليفون" بالصابون كيوم ولدتهم أمهاتهم
طبعاً على الرغم من الحاجة الماسة للإستحمام فلم استطع الإنخراط في هذا العمل بهذا الشكل أبداً وفكرت أن أرتدي "المايوه" واقف معهم ولكن أحد الشباب نصحني بعدم فعل ذلك حتى لا يساء فهمي بين الجموع فسوف أكون نغمة نشاز وسط المستحمين
وبعد يومين من حادثة احمام منّ الله علي بنعمة "الهروب " لفترة سواد الليل من المعسكر وسط بعض الشباب الجريء الذين قرروا الهرب لمدة الليل للاستحمام وتناول وجبة ساخنة والإستمتاع بالحمام الدافيء والنوم ولو لمدة ساعة في فراشك الخاص والرجوع قبل الفجر خلسة قبل الطابور الصباحي ... وفعلاً هربنا بعد الطابور المسائي مباشرة وخلال ساعات قليلة كنا في بيوتنا
عندما دخلت المنزل أحسست بنعمة الله التي نتقلب فيها كل يوم ولا نحس بها لاعتيادنا عليها
قبلت "قاعدة الحمام" وقبلت "البانيو" وقبلت الفراش والأغطية وقبلت جدران المنزل التي تحمينا من الفئران والكلاب ومن اقتحام الآخرين لخصوصينا وعرفت الفرق بين التعامل القاسي للأهل في بعض الأحيان معنا لحرصهم علينا وتعامل آخرين لايأبهون حتى لمجرد وجودك في الحياة من عدمه ولا تساوي عندهم حتى الصفر الرقمي وأنك قيمتك في الحياة غير موجودة في حقيقة الأمر إلا عند الله إن كنت صالحاً وعند أعزائك وذويك سواء كنت صالحاً أم طالحاً
هذه المعاني لايمكن ادراكها إلا بالتجربة فأنت تدخل الحمام بالسليقة ولم تفكر انه نعمة قد تحرم منها وتتبجح مع أهلك أحياناً نظراً لقيمتك لديهم ولا تدرك أنه قد يأتي يوم تتعامل فيه مع آخرين لاتستطيع ان تفعلها معهم أبداً وهم أحقر ما يمكن أن يكون فأي منهما يستحق صبرك واحترامك وحسن معاملتك؟؟؟ ... للأسف كلنا نختار الإجابة الخطأ
كل ما مضى كنت أعده من حسنات العسكرية ولقد استفدت منه حقاً وكنت على اتم استعداد لتحمل اضعافه وأكثر من قسوة الظروف لولا شيء واحد هو سوء المعاملة والكراهية المفرطة الواضحة في تعامل الشخصيات الكريهة المصاحبة لتلك الظروف
لذلك فقد تجمعنا يوماً وذهبنا لضابط توسمنا فيه شيء من العقل وسألناه في ساعة صفاء ... لماذا يتم التعامل معنا بهذا الشكل ؟
فأجاب أن مهمتهم نقلنا من الحياة المدنية للحياة العسكرية وتأهيلنا لمواجهة أقسى الظروف في حال الحرب أو الأسر أو أو ومهمتهم ليست "علف" المجندين ولكن اطعامهم ما يجعلهم على قيد الحياة
واقتنع البعض بالإجابة المنطقية أما أنا فلا ولم أقتنع حتى تاريخه لأسباب يطول شرحها وأولها أن هؤلاء الأشخاص المسئولون عن تدريبنا قد حظوا بكراهيتنا لدرجة أننا "وبالإجماع " لو شاهدناهم في ظروف حربية سنقتلهم قبل الأعداء ... وقد يظن البعض أن هذه مبالغة مني ولكن استحضار مشهد هؤلاء الكائنات التي لايخلو فمها من سيجارة وسب الدين طوال الوقت وتطفح وجوهها بالكراهية والحقد يحول المبالغة لواقع ملموس
لذلك فقد استطعت التأقلم مع كل الظروف سوى الوجود مع هذه الشخصيات النكدة في مكان واحد وهو ما كان يؤرقني طوال الوقت
ومرت الأيام عل هذا النسق وكلما سألنا أحد عن ظروفنا الحياتية وهل يوجد حمامات مناسبة أجبنا بشطر من نشيد الجيش "على كل أرض تركنا علامة"
بعد فترة انضممت للسرية الرياضية لتدريب المجندين على بعض حركات الكاراتيه استعداداً لعرض عسكري منتظر ستحضره شخصيات قيادية كبيرة ووعدونا أننا بعده سنحصل على أجازة كبيرة وكان بعد أكثر من شهر قضيت معظم وقته في تدريب المجندين ذوي الأذهان النيرة على حركات الكاراتيه والدفاع عن النفس آملاً في الأجازة الطويلة وعليه فلم يتم توزيعي مع اقراني على الوحدات وقضيت فترتين اضافيتين استعداداً للعرض العسكري الذي تم أخيراً بنجاح وكان آخر مشهد به هو مشهد الجنود وهم بلباس العسكرية الغير مناسبة تماماً في صف طويل يقومون بحركة واحدة وهي ترديد اسم السلاح بقوة ترج المكان مع خطوة عسكرية قوية ترتفع معها الركب حتى البطن مما أدى لتساقط السراويل لمعظمنا من فرط الانفعال وضج الجميع بالضحك في حضور القيادات في مشهد مأساوي ساخر جداً يعكس المقولة الشهيرة "الجيش تهريج منظم"
بعد فترة قليلة حملت لقب دكتور ... ولكن هذه الخاتمة القادمة 

هناك 19 تعليقًا:

ستيته حسب الله الحمش يقول...

ده أنا كأني دخلت الجيش وها أعيط
لأ
صعب قوي قوي
وأدي آخرة التفوق الرياضي
قعدت ثلاث مدد كاملة تترك على الأرض علامات

وخلاصة البوست
ولم تفكر انه نعمة قد تحرم منها وتتبجح مع أهلك أحياناً نظراً لقيمتك لديهم ولا تدرك أنه قد يأتي يوم تتعامل فيه مع آخرين لاتستطيع ان تفعلها معهم أبداً وهم أحقر ما يمكن أن يكون فأي منهما يستحق صبرك واحترامك وحسن معاملتك؟؟؟

الحمد لله على نعمه التي لا نحصيها عددا

د. ياسر عمر عبد الفتاح يقول...

الحمد لله الذي عافاني من الجيش
أنا مرفووووووود طبي
هيييييييييييييييه

ربنا ولك الحمد والشكر
ازيك يا عمنا
مفيش ولا حد ميسد كول
هوه أنا مش ميسد يو ؟

حتى نمرتك ضاعت مني لسببٍ ما قد يطول شرحه
المهم ليك وحشة والله
وكان نفسي تبقى موجود معانا امبارح
ده كان أحد أسباب ضربي لأكباد الفيات (العربية بتاعتي) إني أشوف جناب معاليك
بس مكنش ليا نصيب

حفيدة عرابى يقول...

بعد ماانفعلت وتأثرت تمام بالبوست
حسيت انى مخنوقة
بس مش من الجيش
من نفسى
لما قلت فى البوست اللى فات
ان العلامات مش فى الارض
دى فى القلب كمان
انا رجعت فى كلامى سيادتك
مفيش علامات فى القلب
بس حضرتك كان المفروض تنبهنى :)

الدرس المستفاد
رب اوزعنى ان أشكر نعمتك على وعلى والدى وان أعمل صالحا ترضاه

بنجاواتى يقول...

الحمد لله على ما نحن فيه من نعمة

بحترمك جدا فى نقطة ان كله يمكن التعود عليه الا الكراهية الغير مبررة من قبل اناس سفلة

تحياتى

بنجاواتى يقول...

انا رجعت تانى :)

رجعت عشان كنت نسيت اقولك ان أسلوبك مميز جدا فى الكتابة

تحياتى

ebn roshd 777 يقول...

ذاكره كربونيه وقلم محترف

MaNoOoSh يقول...

الحمد لله ان انا بنت
الحمد لله ان انا بنت
ألف حمد وشكر ليك يارب


واقع مؤلم وسرد رائع للأحداث

د/عرفه يقول...

دايما

كنت بسمعهم بيقولوا

الجيش بيقولك اتصرف


ربنا يكون فى عونك وتكمل فترتك على خير

بس هقولك حاجة

فيه مثل بيقول
إن جالك الجبر خليه بجميلة
واكيدهتلاقى اى شىء ممكن تستفيده فى الفترة الغلسة دى

تامر علي يقول...

د/ ستيتة حسب الله الحمش

هو الحقيقة أنا ماتركتش علامات كتير :))) لكن معدش عندي مانع إني اسيب علامات مميزة في طريق المجد :))))

الحمدلله رب العالمين خفي الألطاف

تحياتي :)

تامر علي يقول...

د. ياسر عمر عبد الفتاح

والله انا كان نفسي اشوفك انت وابراهيم وقلت للدكتورة ستيتة اني خايف انسى وكل فكري ان اللقاء يوم السبت وعلى ما ابراهيم كلمني كان نفس اليوم وطبعاً ملحقتش ارتب الأمور

لكن ملحوقه ان شاء الله

هابعتلك رسالة فاضيه وسبف الرقم :))))

تامر علي يقول...

حفيدة عرابى

كان لازم منبهكيش علشان المفاجأة تكون لها "رائحة" خاصة :)))))

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه

تحياتي :)

تامر علي يقول...

بنجاواتى

أكيد ممكن الإنسان يحتمل أي قسوة لها ما يبررها باعتبارها مؤقتة
لكن الكراهية غير المبررة غير مؤقتة وغير مقبولة ولايمكن التوائم معها

تحياتي وتقديري:)

تامر علي يقول...

ebn roshd 777
أشكرك على الإطراء الكبير الذي لا استحقه ... الأحداث المؤثرة غالباً ما تعلق بالذاكرة حتى بدون قصد :)
تحياتي :)

تامر علي يقول...

MaNoOoSh
الحمد لله على كل حال :)))

على فكره في رجالة كتير مدخلوش الجيش :))

شكراً للمرور الأنيق :)

تامر علي يقول...

د/عرفه
الكلام ده مر عليه 12 سنه سيادتك :)))

وطبعاً استفدت منه كتير
استفدت اني ما ادخلش الجيش تاني :)

تحياتي

شمس النهار يقول...

طبعا انا متابعه حتي لو لم اعلق

بس البوست المره دي اثار عندي نفس التساؤل

هو ماينفعش نعمل معادلة ناجحه
بين اني اعود الجندي علي الظروف الصعبه والحرب والاسر

من غير مااكرهه او اكره فيه وفي عيشته وفي البلد كلها

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سلامي

شمس النهار يقول...

ايه ده ايه ده

من تعليق ياسر فهمت انك كنت موجود اول امبارح في اللقاء
ايه ده مين فين رايح علي فين

اومال انا ماشوفتكش ليه بقا

اللقااااااااااء
باااااااااطل
لقاء الزراعيين باااااااطل

علي كده في ناس كتير ماشوفتهاش انا بقا

:(

شمس النهار يقول...

اه سمااااااااح

القاء قانوني خلاص

انا فهمت غلط

انت ماجيتش

خلاص سماح

ومبروك الماتش

تامر علي يقول...

شمس النهار

والله يا فندم انا كان بودي احضر اللقاء واكيد فاتني كتير لكن ان شاء الله يكون في نصيب في المرات القادمة

دمت بحفظ الله :)