الأربعاء، فبراير 03، 2010

على كل أرض تركنا علامة ... أخيراً




بعدما انتهى العرض العسكري وتم بنجاح وعاد الجنود لأماكنهم عاد الجميع إلا أنا ... تأخر توزيعي لفترة طويلة إلا أنها مرت على أي حال وبعد تلك الفترة ذهبت للوحدة التي سأخدم بها لباقي الفترة , وللحظ السعيد كان هناك ضابط في نفس الوحدة من جيراننا الملاصقين ولكني لم أكن أعرفه جيداً فأخبرت بعض الجيران الآخرين بالوضع وذهبنا إليه , فطمأنني وقال : إعتبر جيشك خلص . وطبعاً طرت من فرط السعادة وبالفعل ذهبت إليه بعدها فقال لي أنني سأكون معه (معه اتضح بعدها ان معناها سيء حيث أن لكل ضابط عسكري أو أكثر يسمونه في الجيش عسكري سيكا يقوم على خدمة الضابط في كل شيء ) ولم اتوقف كثيراً في حينها وفرحت بالأجازة ال10 أيام التي اعطاني اياها وقال لي انني سأقضي الجيش 10 أيام × عشرة أيام أجازات كله .... ومرت ال10 أيام كالبرق وذهبت لكي استعيضها فإذا بالعساكر يخبرونني بأن الضابط اياه قد تعب فجأة وتم نقله للمستشفى وبالسؤال تبين ان عنده ورم خبيث وأنه لن يواصل العمل خلال الفترة الحالية .
وأسقط في يدي ... ما العمل ؟ .. ذهبت لأحد صف الضباط المقربين من الضابط وسألته عن وضعي فقال لي : انت غير معروف لدى القادة لتأخر توزيعك فترة طويلة ستظل هكذا تأتي كل يوم وتخرج مع الأوتوبيس اليومي حتى يجد جديد وتصادف أن طبيب الوحدة كان في مأمورية طويلة فكنت أجلس في العيادة منتظراً مرور اليوم على خير , وكانت هذه من أكبر أخطائي فقد أمضيت فترة طويلة في توتر نفسي شديد بسبب الوضع المتأرجح وكان الأجدر بي أن أواجه الموقف وأقف على أرضية مستقرة حتى أنعم بالهدوء النفسي الذي سلب مني في تلك الفترة , فلم أكن أستطيع القراءة او الكتابة أو عمل أي شيء أو حتى النوم كل ما علي سوى الإنتظار حتى يمر اليوم على خير , ومن المواقف التي لا انساها أنه ذات مرة فاتني اوتوبيس اليوم فقررت الذهاب للمنزل بالطرق التقليدية وهي المشي لمسافة 15 كيلو حتى الطريق العمومي وركوب أي مواصلة أخرى , ونظراً لأأني كنت "لسه بصحتي " فقررت اختصاراً للوقت لبس التريننج سوت والجري حتى الطريق العمومي وعليه حزمت الحقيبة على ظهري وخرجت من المكان وظللت أجري لمدة ساعة بعدها تعجبت لأن معالم الطريق لم تكن كعهدي بها , لكني لم اتوقف نظراً لأن الصحراء كلها متشابهة ولحداثة عهدي بالمكان وبعد ساعة أخرى من الجري لم يتضح أي سيء من معالم الطريق فتسرب القلق بداخلي وقررت اعتلاء أي تل مرتفع وتفحص الطريق من أعلى كما نصحونا في حالة "التوهان" وعندما اعتليت التل المجاور اسقط في يدي .. فقد كان الطريق ممتد بلا نهاية وكأن آخره في دولة أخرى فعرفت أنني جريت في الإتجاه المعاكس للطريق الصحيح , وقاربت الشمس على الغياب ولا أدري ماذا أفعل ... وكان في ذلك الوقت ينتشر في البلاد حوادث اعتداء لحيوان جبلي يسمى "السلعوة" على البشر وقد أعلن في الجرائد ظهوره في المكان الذي أنا فيه في نفس اليوم , وكانت الخيارات كما يلي – إما الجري في اتجاه الوحدة وهو ما سيتطلب أكثر من ساعة ونصف على أحسن تقدير – أو الإستمرار في نفس الطريق وهو خيار مخيف ولكني كنت أفكر فيه بشكل جدي في ذلك الوقت (لا أعرف سبباً لذلك حتى الآن) – أو المبيت في المكان حتى الصباح نظراً لأن الحركة في الظلام غير مأمونة تماماً حيث أن ليل الشتاء معتم والطريق على ما يسمى "خور" وهو جرف منحدر جداً من الجانبين . وكدت أفقد أعصابي ولكنني استعنت بالله وبدأت الجري في اتجاه الوحدة وأنا أردد "لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين" ولم أبدأ في الجري حتى شاهدت سيارة عسكرية بها شخصين يقفان بجانبها ويتحدثان في أمر ما فلم أدر هل أذهب إليهما وأطلب المساعدة أم ماذا نظراً لأن تلك المنطقة لو قتل فيها 1000 قتيل فلن يسمع بهم أحد , ولمحني الرجلان وظلا لدقيقة في ذهول وناداني أحدهما فما إن اقتربت حتى عرفتهما . القائد العام للوحدة ومساعده المباشر , ... لكن ماالذي اتى بهما إلى هنا ؟ الله أعلم ... كنت في غاية الخوف حيث سألوني في عصبية شديدة ... من أنت ؟ وماذا تفعل هنا ؟ ومن أين أتيت في هذا الإتجاه ؟؟؟ وشرحت لهما الوضع بسرعة وآثار الموقف لاتخفى عن وجهي فأمراني بالركوب بعد الاطلاع على تصريح الخروج الخاص بي وركبت السيارة وأنا غير مصدق لما حدث . هل نجوت من هذا الموقف فعلاً ؟ بعدها طلب مني القائد أن التحق بمجموعة "السيكا" الخاصة به , لكنه نسي الأمر بعدها بقليل ورجعت للوحدة غير مصدق لما حدث وهناك عرفت مدي حماقتي فعلاً , فقد خلا المكان من الجميع وأضافت شمس الأصل الراحلة على المكان ألقاً أسطورياً , صار المكان الصحراوي آية من الجمال كل شيء جميل , الهواء المنعش صوت الرمال التي يحركها الهواء , الهدوء المتناسق . لا أدري هل شاهدت المكان على حقيقته أم هي "حلاوة الروح" بعد النجاة من الموقف العصيب , لكنني بعدها وحتى بعد زوال آثار الموقف كنت أتأمل المكان وأتحسر على ما أضعته من الوقت في القلق وما أضعته من فرصة للاستمتاع بهذا السحر , فلايوجد فرصة في الكون أعظم منها للتواصل مع النفس والاختلاء بها وإعادة ترتيب الأفكار والأوراق من صحراء كهذه ... ترى هضبة المقطم منها تحتك بأميال كتيرة . وللأسف فقد أضعت الفترة اللاحقة أيضاً دون الاستمتاع بها , فلم أكن في حالة نفسية تسمح لي بالاستمتاع أصلاً . بعد هذا الموقف صادقت طبيب الوحدة وأتقنت عمله بصورة رائعة ... أي مجند يشتكي من أي شيء أعطي له "برشام الصداع + مسكن + مرهم لعلاج التنيا" هذه هي الوصفة السحرية في الجيش ... أما إن جاء محمولاً على الأعناق فما علي إلا تفحصه قليلاً باهتمام ثم ترديد عبارة "لازم يتنقل المستشفى حالاً" فغالباً هو مصاب بضربة شمس أو "بيستهبل" وفي الحالتين سينال العلاج اللازم هناك .
ومرت الأيام والجميع ينادونني بلقب "الدكتور راح , الدكتور جه " حتى أنني فكرت في فتح عيادة بعد انتهاء فترة التجنيد لكن القدر لم يمهلني
أهم ما استفدت من الجيش
  1. أن هناك شخصيات تستحق الذبح بسكين بارد قد تضطر للتعامل معها لذلك حاول أن تتدرب على ذلك كلما سنحت لك الفرصة حتى تكن مستعداً
  2. لا تدع القلق لأمر قد يحدث وقد لايحدث يفسد عليك حياتك فلن يمكنك مهما حاولت معرفة القادم أو تغييره
  3. لاتذهب للجيش كلما سنحت لك الفرصة
  4. من فضلك إن قابلت أحد شخصيات هذا البوست في الحقيقة (غيري بالطبع) ابصق لي في وجهه حيث أن ريقي قد جف تماماً
  5. استمتع بحياتك كلما سنحت لك الفرصة حتى في احلك الظروف J


تمت ...

هناك 21 تعليقًا:

بنجاواتى يقول...

انا بقيت بحس بفزع وانا بقرا "على كل أرض تركنا علامة" لكن البوست رائع

ملكش حق تتوه فى الصحرا مع انها معالمها واضحة يعنى :))

الحمد لله انك ماجربتش تكون سيكا لانها اعتقد انها شئ صعب جدا

اول مرة اعرف ان الطب اللى بنقعد ندح فيه سنين ممكن يخنزل للروشتة الهايلة دى :D بس انت بعد التدريب الطبى المميز ده ليه ما فتحتش عيادة صحيح؟؟؟

ربنا ما يكتب علينا مقابلة هذه الشخصيات والا البصق هيبقى للركب ههههه

تحياتى

تامر علي يقول...

بنجاواتى
:)))))
ما انا خلاص بقيت صحراوي دلوقتي وحفظنها خلاص :)
على فكره الطب مفيش اسهل من كده انت بس لو احتجت اي حاجه في الطب قول يا سيكا وملكش دعوه :))))

وبعدين حاول تحوش ريقك كويس علشان ممكن تحتاجه كتير الايام دي :))))

وخلاص يا سيدي ده اخر بوست في العلامات كلها

العيسوى الصغير يقول...

هههه
حظك حلو يعنى فى الاخر بقيت دكتور
بـ
"برشام الصداع + مسكن + مرهم لعلاج التنيا "
سؤال ايه التنيا دى بقا؟؟

د. ياسر عمر عبد الفتاح يقول...

هقول تاني
الحمد لله الذي عافاني

قصة جميلة يا أستاذنا
نرجو من سعادة جنابك
تتصل بيا علشان نمرتك سعادة جنابك راحت مني
أو تبعتلي إس إم إس .. لو سعادة جنابك مكنتش فاضي

د. ياسر عمر عبد الفتاح يقول...

على فكرة أنا صلحت البوست خلاص
لو حابب جناب سعادتك تقرأه ,, هتلاقيه على إيدك الشمال أول ما تدخل المدونة بتاعتي

د. ياسر عمر عبد الفتاح يقول...

على فكرة أنا صلحت البوست خلاص
لو حابب جناب سعادتك تقرأه ,, هتلاقيه على إيدك الشمال أول ما تدخل المدونة بتاعتي

تامر علي يقول...

العيسوى الصغير
اولاً مرحباً بك في المدونة المتواضعة
ثانياً التنيا دي مرض جلدي سعادتك بيجي من قلة الاستحمام :)))
وعلى رأي المثل
هييييه تنياااا

:)

تامر علي يقول...

د. ياسر عمر عبد الفتاح
ازيك يا زمل :) انا كمان دكتور خلاص بعد البوست ده :)
انا كنت فاكرك قاصد يا شيخ تكتب بالصيني :)

حاضر هاتصل بيك وابعتلك حوللي شكراً وبعدين ادفعلي شكراً وساعتها هيبقا شكراً بجد :)))

تحياتي :)

فشكووول يقول...

يا تامر ... ازيك
يا تبطل نق على يا حاسلط عليك السلعوه
يا أخى بطر قر شويه .. انت يعنى مستخسر واحده خواجايه تبقى تيجى تعلق عندى .. ايه القر الدكر ده .. امال لو شفت صورهم اللى باعتينها لى فى الايميل ..

اصل انا يا تامر من اللى بيشوفوا وبس.

موتوا بغيظكم

Sharm يقول...

تامر

انه افضل بوست استفدت منه اليوم ..

شمس النهار يقول...

تصدق اتخضيت وانا بقرا البوست
بس بعد كده انفرجت اساريري(حلو اساريري دي)


يادكتور

ماشاء الله عليك
كتبت عن الجيش وفترة التجنيد صح


سلامي

ستيته حسب الله الحمش يقول...

عندما يحول ربك محنة لمنحة
1- متبقاش سيكا
2- ما تروحش في ابو بلاش في الصحرا
3- ما تاكلكش سلعوة "مين السلعوة دي :)
4- تتحول لدكتور ولا سحر ولا شعوذة وكله بعون الله

انت فاكر الضباط بيخلعوا الرتب ليه في الحروب؟
مش علشان الأعداء
نو
علشان السيكا ممكن يخلوهم سيكا نهائية بلا رجعة

ebn roshd 777 يقول...

بذمتك وبمنتهي الموضوعيه
الجيش ده كان من الاسباب الرئيسيه
اللي جعلت منك فيلسوفا وحكيما
مش عارف ليه عندي اعتقاد ان الحكمه دايما بتخرج من الالم النفسي
لشخص يتميز بحس مرهف ورقيق المشاعر
وعمره ما تخيل ابدا انه ممكن يتمرمط
بالشكل ده
اييه الحمد لله علي كل حال

خواطر شابة يقول...

تعرف والله العظيم لم اتوقف عن الضحك بل والقهقهة وانا أقرأ قرأت الاربع تدوينات الاخيرة مرة واحدة اسلوب ساخر يوصل المعنى المطلوب بشكل رائع
تعرف أحس كثيرا بكل ما ذكرته لانني عشته مع اخي لدرجة انه عندما بعث لنا صورة له لم نعرفه التغيير كان مريع اصلع نحيف الى درجة مخيفة جاحظ العينين أمي المسكينة ظلت اياما تبكي على حاله لكن الحمد لله في النهاية كل هذا يصبح مجرد ذكرى
تحياتي لك دكتور

تامر علي يقول...

فشكووول

ماشي يا عم فشكول
اكمنك حليوه وابتسامتك جذابة يعني تقوم الحاجات الخواجاتي تتلم عليك :)
ماشي ,,
ايه رأيك تعلمنا ازاي نكون مطمع لهؤلاء :))
انا هادفعلك بالدولار :)

تامر علي يقول...

Sharm

نرجو ان نكون عند حسن ظنكم دائماً :)

تحياتي :)

تامر علي يقول...

شمس النهار

عاوز اطلع رحلة زي اللي بتطلعيهم دول يافندم بس تكون في منطقة مش صحراوية :)

تحياتي :)

تامر علي يقول...

د/ ستيته حسب الله الحمش

طبعاً نعم ربنا دائماً لاتعد ولاتحصى واكتر من ان يحصيها عد , كفاية نعمة إني خلصت الجيش لوحدها :)
وكمان نعمة الدكترة اللي حصلت عليها بدون ارهاق ودراسة :)

والله مش عارف السلعوة اختفت ليه اليومين دول عاوز اسلطها على ناس عاوزين يتاكلوا :)

تامر علي يقول...

ebn roshd 777
والله يافندم من جهةالاستفادة فانا لاأنكر اني قد استفدت لمالانهاية

أما مسألة الحكمة والفلسفة فيكفيك أن تتزوج حتى تحل عليك الحكمة وتتحول لفيلسوف كبير تنضح كلماته بالحكمة والمعاناه وكما قال ارسطو لتلاميذه
تزوجوا يا أبنائي فإما ان تصبحوا سعداء وإما أن تتحولوا إلى فلاسفة :)

ياعم انا مش قد الكلام الكبير ده :)


تحياتي :)

تامر علي يقول...

خواطر شابة

إذاً أنا وأخوك شركاء المحنة والنكبة لكن كما قلت فإن ذلك لايبقى منه سوى الذكريات , والسخرية :)

تحياتي :)

مصطفى أبوزيد يقول...



ياه يا استاذ تامر إن شاء الله يكون في ميزان حسناتك يارب

الحمد لله انك خلصت على خير و انا عارف انك عمرك ما هتنسى لكن الحمد لله

شخصيا الحمد لله ربنا رحمني و أخدت إعفاء نهائي و لا عزاء لخدمة هذا الوطن السعيد