الأربعاء، ديسمبر 23، 2009

أّنشودة الغروب




طويل الصمت لسبب مجهول..علامات الحزن غير المبرر تلقى بظلالها على مُحيّاه دائماَ..لسبب ما كان (غريب) يفضَل السير وحيداَ ..يمكنك أن تراه في أي وقت من أوقات اليوم..عند الشروق..عند الغروب ..بعد منتصف الليل..في ساعات القيلولة..عند الأصيل ..في أي وقت كان دائما هناك..يقوم بعمله ذهابا إلى الحقل البعيد عند أطراف القرية..على حماره الأبيض ممسكا َبزمام الأبقار من خلفه..يحدق في نهاية الطريق أمامه..ربما سألوا عنه أمه ذات يوم..أجابت حينها بأشياء كثيرة كديدن القرويات ولكن كان الغالب في كلامها كلمة (قد)....ثم تسمع كلاماَ كثيراَ عن رغبته منذ زمن في الهجرة إلى خارج القرية بل إلى خارج البلاد كلها..وأنه الوحيد بين أقرانه الذي تعلم تعليماَ عاليا (جداَ) حسب قولها وحصل على أعلى الشهادات ثم في أثناء إحدى زياراته لها..وبعد أن قضى غريب أجازته مع أمه اتخذ قراراً عجبياَ جداً..قرر غريب أن يمكث في القرية...ثم أخذ قراراً أعجب بأن يرعى أرض أبيه الصغيرة..إلى هنا ينتهي كلام أمه...ثم تسمع كلام بعض أصدقائه (أو من كانوا كذلك من قبل) فتجدهم يتهامسون بأن غريب قد (إنهبل) أي فقد عقله على حد زعمهم من كثرة تحصيل العلوم بالخارج وانه قد أصابته لوثة من بلاد (الخواجات)..أو أنهم (أي الخواجات) هم المسؤلون عن ذلك لأنهم أحسوا بأن غريب قد أصبح خطراً على أمنهم بكثرة علومه..وقد تسمع فتيات القرية يتساءلون أثناء تنظيف الأواني على حافة الترع بأن (الجدع الحليوه) هذا الغريب قد تم عمل سحر له (ربما بواسطة أمه) حتى لا يبتعد عنها ويذهب إلى الخارج


كان غريب يسمع هذه المحادثات أحيانا ولطالما سأل نفسه معهم لماذا قرر أن يبقى في القرية..تردد السؤال بداخله كثيراً بلا نهاية وأخذ يشرد مع الطريق وهو ممسك بزمام أبقاره في حزم.. تأخر كثيراً اليوم في الحقل..كانت السماء صافيه والبدر تماماً وهواء الربيع المفعم برائحة العشب الطازج يتخلل رئتيه..كان يقف على حافة الماء يراقب انعكاس القمر على صفحة المرايا المائية الرقراقة.. وعندما رفع رأسه كانت جالسة هناك..على الحافة الأخرى أمامه مباشره تعطى ظهرها للماء وله.. وشعرها الذهبي الثائر ينسدل على كتفيها بلا هوادة..كانت تتمتم بأغنية قديمة لم يتذكرها أبدا ولم يميز حرفاً واحداً من صوتها..لم يميز غير التمتمة.. حاول أن يلفت انتباهها بأن يلقى حجراً إلى الماء فلم تلتفت...غلبه الخوف فمضى إلى حال سبيله وهو يلتفت في توتر..وفى الصباح كان صوت تمتمتها في أذنيه لا تغادرهما...حاول أن يعتصر ذاكرته ليتذكر الكلمات بلا جدوى..في المساء وجد نفسه يسير إليها تدفعه رغبة عارمة..ووجدها هناك فعلا على نفس الحافة تردد نفس المهمهمة..نادى عليها على وجل: ..أنت.. لم ترد.... أنت...يا ...هناك... لم ترد أيضاً..ازداد توجسه ولم يدر ماذا يفعل...ورجع إلى بيته مرة أخرى لا يدرى ماذا يفعل..


...في الصباح ازدادت رغبته أكثر وأكثر في معرفة السر ورائها..سأل أمه عن الجنيات اللآتى كانت تحكى له عنهم منذ الصغر فأجابت بأن الكهرباء قد منعت هذه المخلوقات من الظهور الآن (بدت له الإجابة منطقيه جداً) فذهب إلى هناك في الظهيرة وقرر أن يعرف من هي تلك التي تظهر له وقرر أن يذهب إلى الحافة الأخرى وينتظرها حتى المساء ذهب لذلك الكوخ الصغير واستأذن صاحبه في القارب حتى الغد وقطع به المسافة الصغيرة بين الحافتين وجلس هناك ينتظرها وفى المساء..وبعد أن اختفى الشعاع الأخير للشمس كانت هناك على الحافة المواجهة..لكنها كفت عن التمتمة وكان وجهها لا يظهر منه شيء بفعل الظلام..هنا قرر أن يقطع المسافة سباحة..لقد نفذ صبره عليها..ألقى بنفسه في بحرها وكان كلما أنزل أذنه في الماء يسمع أغنيته الضائعة....كلمة ..كلمة...وعندما وصل إلى شاطئها كانت أنشودته قد اكتملت ...لكنها لم تكن هناك..نظر إلى حيث جاء عله يراها فلم يجدها أيضاً...كانت قد اختفت تماما..ولم تخلف ورائها إلا تلك الأنشودة






هناك 24 تعليقًا:

مصطفى أبوزيد يقول...



أولا من ناحية الأسلوب .. طبعا الاسلوب منتظم و راقي بدون اي تعقيدات او اسهابات غير ضروريه

اما الفكره فقد خلفت ورائها اسئله كثيره ..

لماذا فضل البقاء في القريه بعدما حصل كل هذه العلوم ؟

و من تلك التي كان يراها ؟

ربما كانت إشاره الى حلمه الذي ضاع

او إلى الحياة الأفضل التي كان يجب ان يخوضها بعيدا عن القريه

و ربما شيء آخر في ذهن الكاتب

أشكرك يا تامر على القصه الجميله

تقبل مروري المتواضع

صبرني يارب يقول...

الاسلوب رائع بجد

والوصف حلو اوي اوي

باحب اوي الوصف الى يخلينى شايفه الاحداث


وعجبنى اوي تعليقات اهل القريه الى بتعبر فعلا عن فكرهم


بس حاسه ان فى فكره عميقه خصوصا للجنيه وانا مش وصلتنى

بس عموما هى عاجباني فعلا

تحياتي يا فندم

بدراوى يقول...

جميلة هذه الكلمات
يا استاذ تامر
---
ليك وحشة
:-)

ستيته حسب الله الحمش يقول...

عجيب ما تفعله بنا هذه الدنيا
الجميلة
البيضاء ذات الشعر الثائر
ورغم ثورته إلا انه منسدل ناعم
كيف؟
ماهي دي عجائبها

كلما أنزل أذنه في الماء يسمع أغنيته الضائعة....كلمة ..كلمة...وعندما وصل إلى شاطئها كانت أنشودته قد اكتملت ...لكنها لم تكن هناك..نظر إلى حيث جاء عله يراها فلم يجدها أيضاً...كانت قد اختفت تماما..ولم تخلف ورائها إلا تلك الأنشودة

ياترى لقى أنشودته حلوة وكلماتها راقية وليها لزمة والا زي أغلبنا
عاش وخرج منها وأنشودته نشاذ؟
نفسي حد سبح وخلص وسمع حفظ وراح للجهة التانية
جهة الغروب
يرجع يقول لي شاف إيه
اللهم احسن لنا الخواتيم

بما إنها غامضة فقد أنست لها وفسرتها بمزاجي
تحياتي

يــوم جــديد يقول...

تعجبني النهايات المفتوحة
تفتح مجالات أكبر من القصة نفسها
وتعطي الفرصة لكل قاريء أن يكتب لها النهاية التي يريد فتكون لكل قصته

غريب موجود بيننا
يعرف ما يقال عنه
ويطمح لكائن مختلف يقول كلمات غير التي تعودها
شخص يتأمله ويشغله غموضه
شخص يسمعه أنشودة الحياة

ebn roshd 777 يقول...

مع كل الاحترام والتقدير لذلك الاسلوب والاعتراف بضيق افقي وخيالي وبالرغم من وجاهه تفسير د ستيته القيم الا انني شخصيا افضل ان تكون الفكره بسيطه ومباشره
والوصول بالفكره للعامه انفع في رايي من وصولها للخاصه
وبجد القصه محيره وفيها ايحاءات كثيره
يعني انا اول فكره وصلتني انه مهما بلغنا من العلم والتعلم
سنعود حتما لنشاتنا الاولي لان المدنيه والصناعه المتطوره
افسدت الارض فعلا ولابد ان نعود لنشاتنا الاولي
مش عارف ممكن تكون قاصد اننا جميعا نفكر ونفسر كما يحلو لنا
مستني ردك علي التعليقات علشان عايز افهم اكتر

ABOALI يقول...

المرور بداخل النفس يجعلنا نتجول فى واحة
كلما مررنا فى طرق تلك الواحة ظهرت لنا احلامنا ومزجنا بينها وبين واقعنا الذى نحياه

وفى لحظات معنية نستئنس انفسنا لتاءخذنا الى حيث نرى ذلك الامتزاج راى العين ليكون يقينا امامنا يسعى

بداخل النفس انشودة نحب ان تكون ونحب ان تحيا فينا
نريد ان نصدقها ونريد ان نراه واقعا"

حياتنا
بها فعلا ذلك العمق الرائع
الذى يدعونا للتجول والتبحر لنصنع ذلك البرواز الجميل
المعبر عنا


التجول فى وسط انشودة الغروب يجعلنا
نراها مليئة بالاحداث
مابين همهمات من البسطاء
وخبرة من الاجلاء الكبار
و بحر علم ارد ان يمتزج بكل ذلك


الله الله عليك يا انسان
تحياتى

تامر علي يقول...

مصطفى أبوزيد

الاسئلة التي تنتج عن الفكرة مطلوبة ولا تقتصر على ذهن الكاتب فقط بل تتعداه للقارىء

دمت بخير وعافية
تحياتي :

تامر علي يقول...

صبرني يارب

الجنية تمثل للغريب كل ما لم يحصل عليه ويمكنك اسقاط أي فكرة عليها
وشكراً للتشجيع:)

وبعدين انا جذوري قروية لازم اعرف اوصف الوضع كويس :)
تحياتي

تامر علي يقول...

بدراوى

انت اللي لك وحشة فينك من زمان :)

تامر علي يقول...

د/ ستيته حسب الله الحمش
تفسير سيادتك لايتجاوز الحقيقة قيد أنملة "حلوة انملة دي" الفكرة عبارة عن احداثيات فقط وطالما التفكير في حيز الاحداثيات سيكون هو الحقيقة المجردة

تحياتي وتقديري "كالعادة":)

تامر علي يقول...

يــوم جــديد

فعلاً غريب يعيش بيننا أو بداخلنا ولايزال يبحث وينتظر الحكايا ذات النهايات السعيدة

تحياتي:)

تامر علي يقول...

ebn roshd 777

بداية الموضوع ابسط من كده بكتير ولاتتواضع وتتهم نفسك بضيق الافق لحسن حد يقول عليك مغرور:))))

القصة عبارة عن فكرة واحداث مركزة جداً لها احداثيات كما قلت في ردي على د.ستيتة لايمكن ان تمون مباشرة لأن المباشرة تحتاج لسرد وتطويل وتقترب من التسطيح لذلك نستعيض عنه بالرمز الذي يجمع أكثر من معنى وتفسيرك داخل الاحداثيات وكذلك تفسير د.ستيتة لذلك القصة لايقصد بها معنىً مباشر لانها قصيرة جداً وأهم ما فيها سعة احداثياتها على جمع الافكار التي يمكن اسقاطها بداخلها بدون تكلف

تحياتي وتقديري:)

تامر علي يقول...

ABOALI

ردك قصة في حد ذاته :)

تعليق يستحق التأمل والتعليق

تفاعل متألق
تحياتي :)

د.توكل مسعود يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

وبعد..
فكل عام وأنتم بخير وعافية .. شكر الله لكم متابعتكم لمدونتي ومدونتكم "بلاوطن"..

لا أرى أني غبت عنكم فقد كانت تدويناتى تبلغكم ولا أنكم غبتم عني فقد كان سؤالكم ودعاؤكم يبلغني ... وهكذا أرواح المؤمنين وقلوبهم التي ألف الله بينها فلم يعد لقوة من قوى البشر أن تفرق قلوباً ألف الله بينها

دمتم بخير وعافية ..

د/ توكل مسعود

شمس النهار يقول...

ازيك
جيت اسلم لاقيت قصه لطيفه

عايزه رواقه كده
قريتها في الاوام اوام كده
بس هقراها تاني علي رواقه واعلق


كل سنه وانت طيب

سلام

فتافيت يقول...

ممممممممممممم

طبعا كلامي في قلمك.. خاصة في القصص مجروح بجد
عجبتني القصة.. عاجبني وصفك جدا
عجبني اكتر.. انه فضل يتفرج عليها.. ولما وصل لها.. بح خلاص مش موجودة
تعرف ان النهاية وجعتني جدا.. اصلي حساسة :))
لا بجد نهاية حستها مأساوية.. لو تفرسيها زي ما فهمت
احلام طموح.. وفجأة بح مااااااااافيش

بقولك.. ماتيجي معانا في منتدى نص
وتكسب فينا ثواب هناك
والله كتاب زي الورد.. بس محتاجين حد فاهم معانا.. معانا طبعا ناس فاهمين
بس محتاجينك والله هناك
http://www.nus-sa.com/vb/index.php

وحتى تبارك ليا على اول قصة سترى النور :)

شمس النهار يقول...

رجعت تاني

القصه مكتوبه حلو جدا

انا مااستغربتش اوي انه قعد في القريه واختار ارضه
مش كل اللي بيسافر بره ويتعلم بيقعد
اللي بيشوف الناس دي بعقله مع قلبه مع شوية منطق مابيقعدش هناك

عجبني الموروث الشعبي جدا
لما قعد وده ضد المنطق السائد
قالوا ان والدته عملت له عمل

تسلم ايدك ياتامر

سلامي

فتافيت يقول...

طيب ايه؟؟
مانت سجلت.. وعملنا لك فرح هناك
ماعجبكش الجو.. ده انا عايزك هناك في لجنة الحكم بتاعة المسابقة :)

تامر علي يقول...

د.توكل مسعود

أدعو الله أن يثبتنا واياكم على الحق وأن يديم الحب والألفة في وجهه الكريم دائماً

تامر علي يقول...

شمس النهار

سلمكم الله من كل مكروه وأدام علينا واياكم العافية

طبعاً الخيارات المتاحة للانسان في حياته تتشكل مع وجدانه ورغباته مش بالضرورة مع عقله ... علشان كده ممكن الحالة الطاغية على الروح والنفس تطغى على كل فكر ومنطق

أرجو المعذرة عن التقصير في السؤال والتواصل :)
تحياتي

تامر علي يقول...

فتافيت

أنا سجلت وقلت آخد جوله واقرأ كام عمل ... وشكراً على الدعوة الكريمة

تحياتي :)

فشكووول يقول...

ازيك يا تامر

انا بعتذر جدا عن التأخير عشان النت كان قاطع عندى لمدة اسبوع

عموما يا تامر انا وانت ان شاء الله نتوحد فى الرأى والتوجه .. يا راجل احنا حنختلف ليه وعلى ايه .. كلنا لا شك نحب اخواننا الفلسطينيين ولكن لكل منا قناعاته ومنا من يرضى على حماس ومنا من لا يرضى على حماس ولكن فى النهايه لابد ان نحب ونحترم الشعب الفلسطينى

تحياتى

ٌرحيـــــــــــــــــــــــل يقول...

حلوة وايد :)

أنا كملت فراغات القصة في راسي،...

هو ما رجع للخارج، لأنه انسان بسيط و الحياة في الخارج ما ناسبته وكان قدامه حلين، يا انه يتغير ويفقد نفسه أو يرجع ويلقى نفسه،... بس الناس هم سبب تعاسته ما يخلون الواحد في حاله ! أوغاد!

والجنيه انت شرحتها ولا كنت حصلت لها قصة ثانية =)

قصتك مميزة وغريبة يعني حلوة .
تحياتي لك