
بعد ستة أشهر كاملة من إعطاء الفرص والصبر والانتظار أدركنا أن ما يحدث على الصعيد الداخلي ما هو إلا عملية امتصاص لغضب الجماهير والسماح للوقت أن يمر دون حدوث أي تغيير فعلي وحقيقي أو حتى مرضي للجماهير ، وأن كل ما هنالك هو عبارة عن محاكمات صورية لبعض رؤس النظام السابق في قضايا بعيدة تماماً عن التهم الحقيقية الموجهة إليهم يمكن للقضاء (الغير مستقل حتى تاريخه) أن يجد لتلك القضايا الصورية مخرجاً قانونياً لتبرئتهم حتى تصل بنا السفينة بعد انقضاء المزيد من الوقت إلى الرهان على انطفاء جذوة الثورة في وجدان الشعب ومن ثم يخرج البطل والسوبرمان ويقضي على الانفلات الأمني ويأمر الشرطة فتعود لسابق عهدها ويأمر الجيش فيعود إلى ثكناته ويأمر الشعب مع وعد جديد بالإصلاح فيعود إلى الجحور من جديد على أمل الإصلاح المرتقب ، هذا السوبرمان لايخفى على أحد فهو يراقب من بعيد ولايذكر اسمه كثيراً في وسائل الإعلام ويضمن ولاء المجلس العسكري بطببيعة الحال ويضمن ولاء مؤيدي النظام السابق فهو من نفس الفصيل ويضمن ولاء الفلول بكل إمكاناتها وعتادها وعدتها فهو يستطيع توفير نفس البيئة الجاذبة لأمثالهم ولكن تبقى العقبة الصغيرة الوحيدة التي يجب أن تدار طريقة التعامل معها بحنكة وروية
الثورة التي أطاحت بمبارك ورموز الحزب الوطني
ونأتي لدراسة المعطيات
ماذا لدينا هنا
لدينا شباب متحمس مقبل على العمل السياسي لديه أمل في الإصلاح الحقيقي
لدينا شعب كعادته ينحاز للطرف الفائز وهو "صورياً " طرف الثورة
لدينا أحزاب لها مطامع واضحة وشراهتها تزيد ونواياها مجهولة
لدينا جماعة الفرص الضائعة
لدينا معادلة صغيرة تقول بأنه كلما طالب البعض بأشياء ما ولم تتحقق يهرعون إلى الاعتصام سواء للتحرير أو ماسبيرو
لدينا حكومة لاتحظى بأن تأييد شعبي في الفترة الأخيرة
لدينا إعلام مازال كما هو مع القليل من مساحيق التجميل التي زادته تشوهاً
لدينا قطاع كبير يتمنى الإنصراف ولو إلى النار (يتمنى رجوع حالة الإستقرار الصوري بأي سيناريو)
والمطلوب في ظل هذه المعطيات شيء واحد فقط
هو الاحتفاظ بالسلطه مع محاولة عدم الصطدام الجماهيري ما أمكن
وقد تمت حتى الآن عدة تجارب لاستقراء الحالة الشعبية وتم وضع عدة بالونات اختبارية لمعرفة حقيقة الأمر
فالواقع صعب فعلاً ولايوجد أي عائق حقيقي سوى الرفض الشعبي لاستمرار الحكم العسكري وعليه فإن المطلوب محاولة تغيير الاتجاه الشعبي من الرفض للقبول وإليكم الطرق المؤدية إلى روما
الشعب المصري معروف بعاطفيته الشديدة وكذلك بجبنه الشديد فلو توصلنا لمعادلة تقلب انحياز الشعب للثورة لأصبحت الثورة غير ذات تأييد جماهيري وبذلك تفقد شرعيتها ويمكن مواجهتها ولو بالقوة لذلك
التلويح بالانهيار الاقتصادي يخدم هذا الاتجاه
التركيز على نقاط خلافنا السياسية ونشر تشوهاتنا الفكرية يخدم هذا الاتجاه
ابراز المنتفعين في وسط الثورة وطمس الشرفاء يخدم هذا الاتجاه
اعادة روح الفتنة الطائفية بين الحين والآخر يروج لهذا الاتجاه
محاولة الاحتفاظ بالمنظومة الإعلامية على حال فسادها من أكبر داعمي هذا الاتجاه
تسليط الأضواء دائماً على غير الوجه الحقيقي للثورة يجعل الحق مطموساً دائماً مثل التلبيس المتعمد دائماً بين الشهداء الحقيقين الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الحق وبين القتلى الذين ماتوا في مواجهات مع الشرطه في محاولاتهم لسرقة السلاح أو ما شابه ومحاولة الايعاز بأن هذه هي نوعية الشهداء وأسرهم (مسجلين خطر)
استخدام نفس اسلحة النظام البائد في الدس والتثبيط والتعتيم وأمن الدولة والمخبرين وكل أدواته ولكن بصورة مختلفة وبمسميات أخرى لخدمة نفس الاتجاه
تهيئة المناخ الاعلامي والاقتصادي والجماهيري للمهدي المنتظر ، للمخلص ، لمسيح هذا البلد ، الذي سيهبط ليحل كل المشكلات بجرة قلم وبأمر شديد اللهجة ليصلح ما أفسده الناس ويدخل الوحوش للأقفاص ويرجع العمال للمصانع والفلاح إلى الحقل والراقصة إلى الملهى والعجل إلى بطن أمه
هذه هي المعادلة السحرية وها نحن نحاول أن نستلهم روح التحرير من جديد في محاولة لارسال رسالة ضمنية للمخلص وأمير الزمان أننا نفهم المعادلة ولن نتنازل عن حل حقيقي وعدل حقيقي وحياة حقيقية
بعد اول يوم في التحرير وأنا وسط الميدان تذكرت مقطع ورد في سفر الرؤيا يقول " سقطت سقطت بابل العظيمة وأصبحت مرتعاً للشياطين " مع تعديل بسيط يمكن القول "وسقطت القاهرة وأصبحت مرتعاً للزبالين " ، ما كل أكوام القمامة هذه في الميدان ؟ ما كل هؤلاء الباعة الجائلين واسلوبهم السوقي المنحط ؟ ما كل هؤلاء (الشناتل) * (شناتل جمع شنتل مان وهو كائن أنوي مصري صميم في يده سيجارة وفي الأخرى مزه لابسه ايشارب وبادي وشبشب بصباع وحاطط ايده على كتفها وشعره مليان جل وتظهر عليه آثار عدم الاستحمام )
بصراحة شديدة لم أجد روح التحرير يوم الجمعة ولكن الاعداد في الليمون والكم يغلب على الكيف هذه المرة
من المؤكد أنني متشائم بطبعي وأن الملحوظة الأخيرة تنبع من طبعي العكر :)
وما زلنا في انتظار الثورة أو سوبرماريو الجديد وعندها سننتقل إلى مقاعد المعارضة مرة أخرى فلا يأس مع الحياة
ولا يزال الأمل في التحرير