الثلاثاء، مايو 04، 2010

المـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول


كان منزله في تلك البنايات الضخمة المتوالية حديثة البناء . هناك وُلد و نما, هناك عاش عمره كله تقريبا ً , منذ عشرين عاما هي عمره .. لم يخرج من هذا المحيط الواسع او لنقل انه لم يحتج يوماً أن يخرج من هذا المحيط الواسع... دائما ستجد كل ما تتمناه في حيازتك ..المسكن.. المتجر.. المنتزة..المدرسة..الجامعة , حتي العمل لم يخرج يوما عن هذا النطاق الواسع...او لنقل الضيق .

في هذا المسكن ولد منذ عشرين عاماً..كان والداه (للمصادفة) قد التقيا في (المول)... و بعد فترة من الزمن تزوجا هناك ايضا و جاء هو الي الحياة داخل هذه الابنية المتراصه حيث كل ما تحتاج إليه تتمناه ستجده و اكثر..ماذا تريد ؟؟ ستحصل علي كل ما تريده... ستحصل علي الصحبة... ستحصل علي المعلومات... ستحصل علي المال... ستحصل علي الثراء... ستحصل علي المجد , بشرط واحد.. و كان هذا الشرط قاسياً جداً لكنه يستحق( كما ترون)... و كان الشرط الا تغادر (المول) .. و لماذا تغادره.. علي ماذا ستحصل في الخارج... انك هنا في امان من الحمقي في الخارج حيث تنتشر السرقات...المجاعات...الفقر...و الاغبياء في كل مكان... اذا اردت ان تري ما يحدث في آخر العالم ستراه من هنا... اذا اردت ان تدخل غرفة نوم زعيم عصابات المافيا ستدخل.. من هنا.. لكن بشرط .. الا تغادر... بالطبع وافق صديقنا فعرض كهذا لا يرفض (من وجهة نظره)... لكنه بعد ان اتم عشرين ربيعاً أحس بالوحشة .. كاد يعدل عن رأيه اكثر من مرة و لكنه كان دائماً بالمرصاد... ماذا تريد؟؟ ... كان صوتُُ يتردد في اعماقه.. ماذا تريد؟؟... فلا يجد جواباً علي هذا السؤال... و يعود فيواصل السير.. و بعد ان اتم دراسته في جامعة (المول) , احسّ انه علي مشارف عصر جديد ... سيحدث تغيراً جِذرياً في حياته...لابد أن يتحرر من هذا (المول) الذي يفرض سلطانه عليه عنوة ..و لكن السؤال ظل يتردد داخله... ماذا تريد؟...و كانت هناك اجابات علي تلك الاسئلة هذه المرة ...اريد عملا...اريد ان اتزوج... اريد سكناً مستقلاً... اريد ان انطلق... و هنا ترددت ضحكات (المول) في الارجاء... و ما إلا لحظة حتي صفق كجني المصباح لتظهر آلاف الوظائف الشاغرة في (المول)... ثم يصفق مرة اخري فتظهر الاف الفتيات من كل الانواع و الاصناف و ما عليك الا الاختيار يا سيدي (ان رواد المول باعداد لا تحصي) ... ثم ما عليه اخيراً الا ان يصفق فتظهر.. مئات المساكن في الجوار.. و ما عليك الا الاختيار يا سيدي... و لكن بشرط... و انت تعلم الشرط... لم يكن هناك بُدّ من مواصلة الحياة .. فالحياة تمضي علي اي حال , و لقد حاول كثيرأ علي ان يعتصر عقله يحثا عن سبب للهرب.. و لكن عقله دائماً كان يخذله.. هل هناك سبب حقيقي للخروج ام انها الرغبة الدائمة في الممنوع ؟؟ .. هكذا كان يقول لنفسه دائماً قد تكون هذه هي افضل الطرق للحياة.. قد يكون هذا افضل الاماكن.. ما الذي ينقصني ؟؟ لقد حصلت علي كل شئ... لكن هناك علي بعد الاف السنوات الضوئية في داخله كان هناك كيان يصرخ ... كان يطالبه بالخروج... لكنه كان عاجزاً عن تقديم اي تفسير او سبب لتلك الرغبة ... كانت نفسه تتوسل اليه ان يخرج ... ولو لمرة واحدة... تُري ما هي رائحة الهواء بالخارج ؟؟... تري ما هو طعم الطعام بالخارج ؟؟... تري من هم هؤلاء الاغبياء و الحمقي؟؟ .. (هؤلاء)الذين يعيشون بالخارج... ما هو شكل الحياة خارجاً؟؟ ... أعياه السؤال و لكنه في كل مرة كان يظل علي نفس الحال ... كان المول قد خط خطوطاً حمراء لا يجوز لرواده ان يجتازوها أبداً .. كانت هناك قوائم بأسماء (الزوار) ... وكانت هناك قوائم باسماء (النزلاء).. و كانت هناك قوائم بأسماء (العاملين)... و أخرى بأسماء (المٌلاّك).. و كان يحكم قبضته علي الجميع و كان نفوذه يزداد يوماً بعد يوم ... كان يسلب الناس ارادتهم باختيارهم و كان يسلبهم حرياتهم بحرياتهم المزعومة و كان يطعمهم طعامه برغبتهم و عن طيب خاطر منهم.. لانه دائماً كان يملك المقابل ... ان لكل شئ ثمنه بلا شك..و لكن هل تستطيع انت ان تدفع الثمن؟؟ ..هو يستطيع ان يدفع الثمن و بسخاوة لانه يملك ان يسلبك مالك بارادتك او قهراً علي السواء.. هو يصنع لك طعاماً ... و انت تأتي لتأكله.... هو يأتي بالممثلين و انت تأتي لتشاهد و طبعا كان هناك دائما الثمن.. هو يعلم ما هو ثمنك لذلك فهو يحصل عليك .. يحصل عليك بدون مقاومة منك ... و هكذا صارت الحياة بصديقنا ...في الليل انجب صبياً آخر في المول... فرح المول به جداً فهذا هو(الجيل) الثاني من اجيال (المول) ... هكذا سيُكوّن مستعمرته... لكن صديقنا كان له رأي آخر...كان الشئ الذي يصرخ بداخله ... و الذي ظن انه مات علي مدار الزمن... قد بُعث من جديد... بُعث مع ولادة ابنه الصغير... عندما رأه لأول مرة احسّ ان الشئ الذي كان يناديه من داخله و يطالبه بالهرب ... هو ذلك الشئ الصغير الذي يبكي امامه الآن ... و هنا كان صديقنا قد قرر شيئاً هاماً ... قرر ان يهرٍب ابنه من (المول) ... ان كان قد فشل هو في الخروج منه فلن يحدث لابنه نفس المصير ... كان قد اتخذ القرار واعدّ الخطة و حزم امره... و استعد للمواجهة ... و كان يعرف القواعد... الثمن ... ما هو الثمن؟؟ ... ماذا سيطلب منه مقابل خروج ابنه منه ؟؟ ... ان لكل شيء ثمناً و تلك هي القاعدة ... ما هي الاسباب؟؟ .. ما هي الدوافع؟؟.. ما هي المبررات؟؟.. كان لابد من الاعداد الجيد ... و لكن تحت اي ظرف لم يكن ليسمح لذلك ان يحدث مجدداً يجب ان يخرج ابنه من (المول) ...

- ايها (المول) ماذا تريد في المقابل ؟... ما هو الثمن الذي يجب ان ادفعه حتي يخرج ابني منك ... ترددت الكلمات في ارجاء المكان و صار الحدث هو حديث المجتمع في تلك الاوساط ... لماذا تريد ان يخرج ابنك من (المول)؟؟

- .. اريد ان يتحرر من هذا الاسر.. اريده ان يحيا الحياة التي لم احياها .. اريده ان يعرف بشراً أخرين .. يري وجوهاً أخري ... اريده ان يري الصحراء حيث هي .. لا اريد الصحراء ان تأتي اليه .. اريده ان يري الحقول و الانهار و المحيطات ... لا اريدها اوهاماً علي شاشات المول الحمقاء ... اريده ان يحيا حراً ... لا ان يكون كحيوانات الاسر .. اريده ان يصنع طعاماً ... اريده ان يبني بيتاً ... اريده ان يزرع قمحاً ... اريده ان يستنشق هواءً حقيقياً لا صناعياً ... لا اريد له حياةً (بلاستيكية ) كحياتي ... تردد في الاوساط... ان هذا الرجل قد جُنّ و انه يهذي بكلمات غير مفهومة .. كلمات قد مضي عليها دهورُُ... كان يتكلم عن اشياء مبهمة ... لهذاكان يجب ان يحاكمه (المول) ... لماذا تتمرد علي (المول) ؟؟ ... اهذا هو جزاء الاحسان اليك؟ ... كل ما طلبته حققناه ... كنت تريد عملاً و وجدت ... كنت تريد بيتاً و وجدت ... كنت تريد زوجة و وجدت ... لماذا تتمرد الان؟؟ ... اهذا الصبي هو السبب ؟؟... لماذا لا تتركه يحيا حياة هنيئة كحياتك ... لماذا تحجُر علي اختياره ... لماذا تختار انت له حياة لا يعلم عنها شيئاً ... هل تدري ماذا في الخارج ايها المغفل ؟؟... لا شئ ... لا يوجد اي شئ في الخارج ... لقد تمدد (المول) كثيراً في الفترة الاخيرة ... لقد ابتلع كل الارجاء ... توسعت حدوده .... ابتلع (المول) المكان من حوله حتي صارت حدود (المول) بلا حدود ... اين تريد ان يذهب ابنك ؟؟ ... الي مول آخر؟؟ ... ما الفارق؟؟ .. هل تريده ان يبتعد عنك؟؟ ... هل هذا ما تريد ؟... ان (المول) هو (المول) هنا... هناك... انت لا تعي ما يجري في الخارج ... لقد صار المول هو وطنك ايها الاحمق...هل تريد ان تتحرر من وطنك ايها الخائن ؟ ... فكَر جيداً ... و اتخذ القرار... انت حر كما هو الحال دائماً ... انت حر ... تريد ان يخرج ابنك ؟... او حتي تخرج انت ؟... يجب ان تدفع الثمن ... و انت تعرف الثمن ... كلهم هنا يعرفون الثمن ... سكت الرجل طويلاً ... ثم اطرق برأسه و عاد الي الداخل مقهوراً ... كان ينظر الى ابنه الصغير ...ويبكى معه طويلاً.... ليتك تستطيع أن تدفع الثمن .. أنا فقير جداً كى ادفع الثمن ..لااملك شيئاً ...كل شىء يلقى الىَ هنا ..كم أنا فقير ...ليتك تستطيع أن تدفع الثمن... وكان المول ينظر اليه ويضحك فى شماتة وازدراء.



هناك 13 تعليقًا:

ستيتة حسب الله الحمش يقول...

من الجميل انك صورت المول بصورة رائعة
طبعا رائعة
المول الذي اعرفه واعيش فيه لا يلبي لي طلباتي وكأنه جني علاء الدين
المول الذي اعرفه اعيش فيه خادمة لملاك لا اعرفهم
او اعرفهم ولم اراهم
او رأيتهم ولم يروني

من الجميل ان يعيش في مول القصة مازال يرغب في الحرية

الله يرحمه
هو معقول فاهم كل ده ويرغب في مستقبل افضل لطفله وحرية ويتركوه؟

بس قصة مستقبل ابنه دي فكرتني بجمعية جيل المستقبل أوو أوو

تامر علي يقول...

هي مش صورة بعيدة عن الواقع ... ده بالظبط اللي المفروض بيتنفذ حالياً ... القضاء على الصناعات المحلية وشراء ممتلكات الشعوب واحتكار كل ما هو اساسي والسيطرة على الاموال بشراء البنوك والسيطرة على السياسة من خلال الاقتصاد ثم بعد ذلك استخدام الشعوب كعمالة ذات معايير ثقافة محددة ومعدة مسبقاً ولو بأجر جيد جداً (وهذا واضح في الكثير من المجالات حيث ظهرت رواتب لم نكن نسمع بها من قبل) ثم بعد ذلك الانتقال لمرحلة الاستعمار الكامل وتحويل البلاد لنموذج واحد عبارة عن شعب .... له ثقافة المستعمر منزوع السلاح والهوية بجواره قواعد عسكرية للمستعمر لضمان سير العملية الاقتصادية والثقافية والسياسية كما هو مخطط له ... انظري مدى تنصلنا من اللغة العربية وافتخارنا باللغة الاجنبية والتعليم الأجنبي ..هذا هو الاستعمار الحقيقي ...الوقوع في غرام العدو:)

لكن دا بعدهم ... أنا وراهم والزمن طويل :)))

تحياتي :)

خواطر شابة يقول...

تعرف هناك فيلم لجيم كاري فيه نفس الفكرة حيث يكتشف في النهاية ان حياته كلها عبارة عن استديو ضخم من تلفزيون الواقع مفتوح لكل العالم وكل من كانوا في حياته هم ممثلون وكومبارس.
تعرف من خلال تدوينتك اكتشفت انه وما الدنيا كلها الا مول كبير

ٌرحيـــــــــــــــــــــــل يقول...

مثل خواطر شابة تذكرت فيلم جيم كاري، قصة رائعة و لمست العديد من الجراح لدي، لا شيء يعادل الحرية، لو كنت مكانه لخرجت ولم أكن لأعود.

إيمان يقول...

لا شئ يستطيع ان يعوض الانسان عن حريته
فكرة استغلال الاقتصاد للسيطرة على الشعوب فكرة بيتم تطبيقها من فترة طويلة وحكاية بينكي وبرين اللى عايزين يسيطروا على العالم دى هدف دائم لكل واحد شاف في نفسه شوية عافية من الدول العظمى
الصعب انك تفهم الناس الفكرة وتقربها ليهم وتفهمهم ان مثلا المرتب الكبير اللى بيحلموا بيه والعربية الفخمه اللى بيحوشوا علشانها كل دى مغريات المطلوب منها السيطرة على عقولهم وتوجيه الفكر العام لحلم الاستهلاك داخل المول
القصة تحفة وتصويرها جميل عشت فيها جداااااااا لدرجة انى حسيت انى قريتها قبل كده
ومش شايفه ان لها اى علاقة بفيلم جيم كارى فيلم جيم كارى كان بيتكلم عن موضوع تاني خالص وفكرته مختلفه
تحياتي

ندى الياسمين يقول...

ترو مان شو

اول كلمه قريتها فى موضعك افتكرت الفيلم ده

كان فيلم حلو اوي وفلسفته عاليا جدا رغم انى مش من محبي كاري

مش عارفه انت شوفته ولا لا

لكن هو كان شركه اشترت طفل وهو لسه فى بطن امه واتبنوه وعمله زي كوكب صغير صناعي وخلاه يعيش حياته عادي جدا بس حياته كلها بتتبث مباشر فى قناه خاصه

العالم كله يعرف وهو لا

المدينه الى معملوله مخصوص كلهم بيمثلوا عليه وهو الوحيد الاطرش فى الزفه
ولما بيعرف الحقيقه

بيخيره صاحب الشركه وبيقوله نفس كلام المول بتاعك
بس هو بيختار يخرج


بس والنبى يااخويا ما تعرفلناش طريق مول من ده

ما احنا كده كده محبوسين يبقى نتحبس بدلع احسن بقى

ندى الياسمين يقول...

ايه ده مش انا لوحدي خواطر ورحيل اهو كمان افتكروا نفس ذات الفيلم

:))))))

تامر علي يقول...

خواطر شابة
فعلاً فيلم truman show فكرته هي "المراقبة" وهي فكرة موجوده في القصة لكن أنا لا أقصد المراقبة فقط أنا أقصد أن حياة الفرد داخل النظام العالمي الجديد أصبحت مثل مزرعة دواجن كبيرة :))

تحياتي :)

تامر علي يقول...

ٌرحيـــــــــــــــــــــــل

كلنا في الهم "شرق"

الخروج ليس اختياري للأسف ... لكنه "لمن يملك ثمن الخروج"
ولايوجد منا من يستطيع تحرير روحه من قبضة الأسر حتى الآن ... ربما الأجيال القادمة تستطيع ...فلنعمل على ذلك :)

تحياتي

تامر علي يقول...

إيمان

فكرة الاستهلاك هي بمثابة "الطعم" والاقتصاد هو عصب عملية التحكم في الشعوب فعلاً لكن قبل التحكم ينبغي إزالة الوعي من الأدمغة الصدئة:)

فيلمtruman show يقع على أحد المحاور المقصوده وهو فكرة المراقبة الشديدة وهو ما يتم بالفعل
:) أعتقد انك قرأتيها قبل كده في الكتاب لأنها قديمة :)
تحياتي

تامر علي يقول...

ندى الياسمين

طبعاً شفت ندى truman show لكن الموضوع مش موضوع المراقبة وبس وإن الدنيا تليفزيون واقع متراقب وإن كان ده حقيقي ... الموضوع ان النظام العالمي الجديد بيفرض ثقافة معينة وطريقة حياة معينة مرعبة تغلغلت حتى في قرانا ونجوعنا حتى الصعيد حتى الحواري وبين المعدمين

كله جاي والدلع هيبقى على ودنه :)

زهرة(جنى)الاسلام يقول...

السلام عليكم
ندعوكم لمشاركتنا حملة إصلاح الجيل من أجل التحرير .
(حملتنا حملة أفعال مش بس كلام )

ونرجو منكم وضع لوجو الحملة فى المدونة

والتفاعل مع الحملة

ونفع الله بنا وبكم الأسلام والمسلمين
http://forelaqsa20.blogspot.com/

احاسيس آيوشه يقول...

انا بقى افتكرت فيلم النحلة اللى قرر يهرب من الخلية علشان حسه انه خلاص مش قدامه غير انه يشتغل طول عمره وكان محتاج يشوف برة الخلية ايه
بس لما قريت للاخر الصورة اختلفت
كل واحد من جواه مول عايز يتحرر منه مش مجرد وطن لا كل واحد جواه حاجات كتير بتخنق احساسه
كالعادة بكون مبسوطة جدا ومستمتعة جدا وانا بقرا كل كلمة لحضرتك
بجد ماشاء الله